تحليل للسياسات والتحولات بين إدارتي ترامب وبايدن وأثر الأزمات الدولية
لطالما عُدت الولايات المتحدة ملاذاً آناً للاجئين الفارين من الحروب والاضطهاد، إلا أن هذا الدور يشهد تحولات جذرية نتيجة التغييرات في السياسات الحكومية. يدار هذا النظام عبر “برنامج قبول اللاجئين الأمريكي” (USRAP)، الذي استقبل أكثر من 3 ملايين شخص منذ تأسيسه عام 1980. وبينما سعى الرئيس بايدن لتوسيع نطاق البرنامج، اتخذ الرئيس ترامب في ولايته الثانية خطوات لإعادة صياغة السياسة بالكامل، شملت خفض أعداد المقبولين إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.
أولاً: تعريف اللاجئ والفرق بينه وبين طالب اللجوء
وفقاً للقانون الأمريكي واتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951، اللاجئ هو شخص غير قادر أو غير راغب في العودة إلى وطنه بسبب “خوف مبرر من الاضطهاد” بناءً على العرق، الدين، الجنسية، الرأي السياسي، أو الانتماء لمجموعة اجتماعية معينة.
- الإحصائيات: بنهاية عام 2024، بلغ عدد اللاجئين عالمياً قرابة 37 مليون شخص، ينحدر أكثر من نصفهم من أربع دول: سوريا، أفغانستان، أوكرانيا، والسودان.
- طالب اللجوء: يختلف عن اللاجئ في مكان تقديم الطلب؛ فبينما يتقدم اللاجئ بطلبه من خارج الولايات المتحدة، يتقدم طالب اللجوء بطلبه من داخل الحدود الأمريكية أو عند منافذ الدخول الرسمية.
ثانياً: التسلسل التاريخي لبرنامج اللاجئين
استقبلت الولايات المتحدة المهاجرين الفارين من النزاعات لأكثر من 80 عاماً.
- البداية: بعد الحرب العالمية الثانية، تم تمرير أول تشريع لإعادة توطين 650 ألف أوروبي.
- الحرب الباردة: استقبلت البلاد الفارين من الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية والصين وكوبا.
- قانون اللاجئين لعام 1980: وقع الرئيس جيمي كارتر هذا القانون الذي أسس نظاماً دائماً وموحداً بدلاً من الإجراءات المؤقتة، وحدد تعريفاً رسمياً للاجئ، ووضع حداً أدنى سنوياً للقبول بـ 50 ألف شخص، مع منح الرئيس سلطة زيادة هذا العدد في الحالات الطارئة.
ثالثاً: سقف القبول السنوي.. تقلبات حادة
يتم تحديد عدد اللاجئين المسموح بدخولهم سنوياً من قبل الرئيس، وبموافقة الكونغرس.
- عهد بوش وأوباما: تراوح السقف بين 70 و80 ألفاً. وفي أواخر عهد أوباما (2016)، رُفع السقف إلى 110 ألف لمواجهة الأزمة السورية.
- ولاية ترامب الأولى: خفض ترامب السقف تدريجياً حتى وصل إلى 15 ألفاً في عام 2021، بحجة تحويل الموارد لمعالجة تراكم طلبات اللجوء على الحدود الجنوبية.
- عهد بايدن: عكس بايدن هذا التوجه ورفع السقف إلى 125 ألفاً، وأطلق برنامج “فيلق الترحيب” (Welcome Corps) الذي يسمح للمواطنين الأمريكيين برعاية اللاجئين بصفة خاصة.
- ولاية ترامب الثانية: أصدر ترامب أمراً تنفيذياً علق بموجبه البرنامج مؤقتاً، ثم حدد سقف القبول لعام 2026 بـ 7,500 لاجئ فقط، وهو الأدنى في تاريخ البرنامج، مع إعطاء الأولوية لمجموعات محددة مثل مواطني جنوب أفريقيا البيض (Afrikaners).
رابعاً: من أين يأتي اللاجئون؟
تغيرت الخارطة الجغرافية للمهاجرين عبر العقود:
- الثمانينات: الغالبية من جنوب شرق آسيا (فيتنام وكمبوديا).
- التسعينات: طفرة من دول الاتحاد السوفيتي السابق.
- 2010-2020: تصدرت ميانمار والعراق وبوتان القائمة.
- 2024: جاءت أغلب الأعداد من جمهورية الكونغو الديمقراطية، أفغانستان، وفنزويلا.
خامساً: إجراءات الفرز والتدقيق الأمني
تمر عملية القبول برحلة طويلة تستغرق عادة من 18 إلى 24 شهراً:
- التسجيل: لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR).
- المقابلة: تجريها مراكز دعم إعادة التوطين التابعة للخارجية الأمريكية.
- التدقيق الأمني المتقاطع: يشمل التحقق من البيانات الحيوية (البصمات)، وفحوصات طبية، ومراجعة سجلات الـ FBI، ووكالات الاستخبارات، ووزارة الدفاع لضمان عدم وجود سجل إجرامي أو صلات بجهات إرهابية.
سادساً: الوكالات الحكومية والمنظمات المعنية
- وزارة الخارجية: نقطة الاتصال الأولى والمنسق العام.
- وزارة الأمن الداخلي (DHS): عبر وكالة المواطنة والهجرة (USCIS)، وهي المسؤولة عن اتخاذ القرار النهائي للقبول.
- وزارة الصحة (HHS): تتولى رعاية اللاجئين بعد وصولهم، وتوفير المساعدات المالية والطبية ودروس اللغة والتدريب الوظيفي.
- المنظمات غير الحكومية: مثل “لجنة الإنقاذ الدولية”، وتتولى الجوانب اللوجستية كالسكن والأثاث.
سابعاً: أين يتم توطين اللاجئين؟ وما دور الولايات؟
يتم توزيع اللاجئين على 49 ولاية أمريكية. في عام 2024، استقبلت ولايات (تكساس، كاليفورنيا، نيويورك، فلوريدا، وبنسلفانيا) نحو ثلث إجمالي القادمين. بموجب القانون، تمتلك الحكومة الفيدرالية السلطة النهائية في تحديد مكان التوطين، لكن الولايات يمكنها تعقيد العملية عبر رفض التعاون الإداري أو المالي، كما حدث في احتجاجات بعض الحكام عام 2015 ضد استقبال اللاجئين السوريين.
ثامناً: هل يمثل اللاجئون خطراً أمنياً؟
تشير الدراسات (مثل دراسة معهد كاتو 2019) إلى أن المخاطر ضئيلة جداً:
- من بين 192 إرهابياً من أصل أجنبي نفذوا هجمات بين عامي 1975 و2017، كان 25 منهم فقط لاجئين.
- معظم الهجمات الكبرى نفذها مواطنون أمريكيون أو أشخاص دخلوا بتأشيرات سياحية أو تجارية.
ومع ذلك، تصر إدارة ترامب على أن إصلاح العملية ضروري لجعل “الأمن القومي” هو المعيار الأسمى والمطلق في إدارة البرنامج.
الخلاصة: يمر نظام اللاجئين الأمريكي بمرحلة من إعادة التقييم الجذري، حيث يتحول من برنامج إنساني عالمي واسع النطاق إلى نظام أكثر تقييداً يركز بشكل مكثف على الأولويات الأمنية والسياسية للإدارة الحالية.
